غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )

188

تاريخ مختصر الدول

الكتاب بسبب انه قد صار لي على ظهر القلب وفرحت بذلك وتصدّقت بشيء على الفقراء شكرا للَّه تعالى . فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري فرغت من هذه العلوم كلها وكنت إذ ذاك للعلم احفظ ولكنه اليوم معي انضج وإلا فالعلم واحد لم يتجدّد لي . بعده شيء . ثم مات والدي وتصرفت بي الأحوال وتقلدت شيئا من اعمال السلطان . ودعتني الضرورة إلى الارتحال من بخارا والانتقال عنها إلى جرجان وكان قصدي الأمير قابوس فاتفق في أثناء هذا أخذ قابوس وحبسه وموته . ثم مضيت إلى دهستان ومرضت بها مرضا صعبا وعدت إلى جرجان وأنشأت في حالي قصيدة فيها بيت القائل : لما عظمت فليس مصر واسعي * لما غلا ثمني عدمت المشتري قال أبو عبيدة الجوزجاني [ 1 ] : إلى ههنا انتهى ما حكاه الشيخ عن نفسه . وفي هذا الموضع اذكر انا بعض ما شاهدت من أحواله في حال صحبتي له والى حين انقضاء مدّته . قال : في مدة مقامه بجرجان صنّف أوّل القانون ومختصر المجسطيّ وغير ذلك . ثم انتقل إلى الريّ واتصل بخدمة السيدة وابنها مجد الدولة . ثم خرج إلى قزوين ومنها إلى همذان فاتصل بخدمة كدبانويه [ 2 ] وتولَّى النظر في أسبابها . ثم سألوه تقلَّد الوزارة فتقلَّدها . ثم اتفق تشويش العسكر عليه وإشفاقهم منه على أنفسهم فكبسوا داره وأخذوه إلى الحبس وأخذوا جميع ما كان يملكه وساموا الأمير شمس الدولة قتله فامتنع منه وعدل إلى نفيه عن الدولة طلبا لمرضاتهم . فتوارى الشيخ في دار بعض أصدقائه أربعين يوما . فعاد الأمير طلبه وقلَّده الوزارة ثانيا . ولما توفّي شمس الدولة وبويع ابنه طلبوا ان يستوزر الشيخ فأبى عليهم وتوارى في دار أبي غالب العطَّار وهناك أتى على جميع الطبيعيات والإلهيات ما خلا كتابي الحيوان والنبات من كتاب الشفاء . وكاتب علاء الدولة سرا يطلب المسير إليه فاتّهمه تاج الملك بمكاتبته وأنكر عليه ذلك وحثّ في طلبه . فدلّ عليه بعض أعدائه فأخذوه وأدّوه إلى قلعة يقال لها بردجان [ 3 ] وأنشأ هناك قصيدة فيها : دخولي باليقين [ 4 ] كما تراه * وكلّ الشكّ في أمر الخروج وبقي فيها أربعة أشهر . ثم أخرجوه وحملوه إلى همذان ثم خرج منها متنكرا وانا

--> [ 1 ] - الجوزجاني ر الجورجاني . [ 2 ] - ويروى : كربانويه وكذبانويه . [ 3 ] - بردجان ر بردوان . [ 4 ] - دخولي باليقين ر في إحدى نسختي اكسفرد : دخول النفس فيك .